عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
224
اللباب في علوم الكتاب
فصل في دلالة الآية على كون الفاسق مؤمنا نقل أن ابن عبّاس تمسّك بهذه الآية في كون الفاسق مؤمنا من ثلاثة أوجه : أحدها : أنّه تعالى سمّاه مؤمنا ، حال ما وجب القصاص عليه ، وإنّما وجب القصاص عليه إذا صدر القتل العمد العدوان ، وهو بالإجماع من الكبائر ؛ فدلّ على أن صاحب الكبيرة مؤمن « 1 » . وثانيها : أنّه أثبت الأخوّة بين القاتل ، وبين وليّ الدم ، ولا شكّ أنّ هذه الأخوّة تكون بسبب الدّين ، قال تعالى : « إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ » فلو لا أنّ الإيمان باق مع الفسق ، وإلّا لما بقيت الأخوّة الحاصلة بسبب الدين . وثالثها : أنه تبارك وتعالى ندب إلى العفو عن القاتل ، والندب إلى العفو ، إنّما يليق بالمؤمن . أجابت المعتزلة « 2 » عن الأوّل : فقالوا : إن قلنا : المخاطب بقوله : « كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى » هم الأئمّة ، فالسّؤال زائل ، وإن قلنا : هم القاتلون ، فجوابه من وجهين : أحدهما : أن القاتل قبل إقدامه على القتل ، كان مؤمنا فسمّاه اللّه تعالى مؤمنا بهذا التأويل . الثاني : أن القاتل قد يتوب ، وعند ذلك يكون مؤمنا ، ثم إنّه تعالى أدخل فيه غير التائب تغليبا . وأجابوا عن الثّاني بوجوه : الأوّل : أنّ الآية نزلت قبل أن يقتل أحد أحدا ، ولا شكّ أنّ المؤمنين إخوة قبل الإقدام على القتل . والثاني : الظاهر أنّ الفاسق يتوب ، أو نقول : المراد الأخوّة بين وليّ المقتول والقتيل ؛ كما تقدّم . الثالث : يجوز أن يكون جعله أخا له في الكتاب ؛ كقوله : وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً [ الأعراف : 65 ] . الرابع : أنّه حصل بين وليّ الدم ، وبين القاتل نوع تعلّق واختصاص ، وهذا القدر يكفي في إطلاق اسم الأخوّة ، كما نقول للرجل : قل لصاحبك كذا ، إذا كان بينهما أدنى تعلّق . الخامس : ذكر لفظ الأخوّة ؛ ليعطف أحدهما على صاحبه بذكره ما هو ثابت بينهما من الجنسيّة .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 47 . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 47 .